إقالة د. أكرم وحزمة الرسائل الخاطئة (1 من 2)

قبل البداية ... تحذيرات مهمة

أحاول قدر جهدي النفسي والذهني أن أبتعد عن السياسة وعن قضايا الشأن العام، ليس زهداً فيها وإنما لأن الغالب أن الكثير من الناس يقول الكثير من الأشياء وفي معظم الأحيان يصدف أن يقول البعض ما اريد قوله فيكفوني - جزاهم الله خيراً- مؤونة الكلمة ووزرها، حتى وإن ضاعت في ضجيج الآخرين فلا أشارك غلا بما أن أنه يغلب عليه الفائدة أو أنه لم يوضح بطريقة كافية


ثانياً: حديثي اليوم ليس دفاعاً عن أحد أو جهة ولا هجوماً على أحد أو جهة، واختياري لهذا الموضوع جاء ليس عن معرفة شخصية للدكتور أكرم علي التوم - وإن كنت سأتشرف بذلك على أي حال، وإنما لأنني عملت في وزارة الصحة الاتحادية تحت 4 وزراء اتحاديين اولهم مع الأسف أحمد بلال عثمان - الذي أعجب من بقائه خارج كوبر حتى هذه اللحظة، ومن بعده د. تابيتا بطرس، ومن بعدها أبو قردة، - وأكرر ليس هدفي لا الدفاع ولا الهجوم ولا التعبير الرسمي او غير الرسمي عن اي جهة

اختصار سيرة د. أكرم المهنية أمر شاق  لكن هذه أهم المحطات

  1. عمل مديرا لمكتب منظمة الصحة العالمية في الاردن
  2. عمل مستشارا في مجال مكافحة الالتهاب الكبدي الوبائي والإيدز في منظمة الصحة العالمية
  3. عمل مستشاراً في الصحة الدولية لدى البنك الدولي والاتحاد الأفريقي ومنظمة الغذاء العالمية
  4. عمل مديرا للشراكات في الصندوق الدولي لمكافحة الملاريا والدرن والايدز المدعوم من بي وميلندا قيتس
  5. عمل مديرا برنماج مكافحة الإيدز التابع لمنظمة الصحة العالمية في روسيا
  6. عمل مديرا لبرنامج صحة المهاجرين التابع لمنظمة انقذوا الاطفال في الاتحاد الروسي
  7. عمل مساعد تدريس في مدرسة الصحة العامة في جامعة جونز هوبكنز والتي حصل فيها على درجة الماجستير في الصحة العامة، وهي من أعرق الجامعات في هذا المجال في العالم
  8. حاصل على زمالة الكلية الملكية في الصحة العامة بالتميز في 2015 ولعله السوداني الوحيد الذي حصل عليها لم يلحقه بعدها إلا د. خليفة المشرف هذا العام

فيم جاء وفيم ذهب؟

إذن بعد   سيرة ذاتية كهذه لن يكون صعباً تبرير اختياره مهنياً، وهنا لابد من إشارة سريعة وتذكير الناس بأن الشمس تطلع بالنهار هو أعلى من شغلوا هذا المنصب خبرة في مجاله ولا يكاد يدانيه إلا دز.تابيتا بطرس التي تحمل دكتوراة في التمريض ولديها خبرة عمل في المملكة المتحدة ولعلكم تدهشون مثلي عنما سألني عنها انجليز يعيشون في برمنجهام عندما علموا أنني من السودان قالوا لي أن تابيتا كانت من أفضل الميترونات اللاتي عملن في مستشفى كوين إليزابيث وهي احد أكبر مستشفيات بريطانيا بالمناسبة، فالسيدة مؤهلة ة أكاديمياً ومن جهة العمل بأمانة كانت ربما الوزيرة الوحيدة التي كانت تأتينا في الادارات وتسأل عن طبيعة عملنا وكيف يسير، ومهما يقال عنها فقد كانت امرأة تسمع باهتمام وتعطي الفرصة ولعل من الامانة التاريخية أن أحكي هذا الموقف والذي كنت طرفاً فيه بشكل شخصي

شهادة حق في حق د. تابيتا بطرس

في عام 2008 جاءت دعوة من المجلس العالمي للبحوث الصحية للاجتماع الوزاري السنوي لوزراء الصحة ومن مسماه فمن المنطقي ان تمثل السودان فيه الوزيرة ولكن نظرا لكثرة اللغط الذي دار حول كثرة أسفارها في وقتها ولا سيما مع اختها، فقد تحدث معها د. خالد هباني بصراحة قال لها لا تسافري، انت لست مطلعة بما يكفي على وضع الابحاث في السودان ارسلي واحد من ناس البحوث، فقالت له خلاص امشي انت، فقال لها لا يمشوا ناس البحوث، وكانت المديرة وقتها د. إيمان مصطفى وهي إحدى أعظم مجاهدات الوزارة - وفقها  الله وجزاها الله خيراً عما قدمت- لم تكن من هواة السفر، وهنا كان من الممكن ان تعود الوزيرة وتقول انها فعلت ما في وسعها لكن الدهشة تملكتني عندما اتصل بي مدير مكتبها وقال لي بالحرف الواحد في عربية مستنياك تمشي تجيب جواز سفرك من البيت الآن، و في غمرة الدهشة علمت لاحقاً أن د. خالد هباني رشحني وهي قبلت، وكنت وقتها ممن يصفونها بشٌفّع الوزارة، لكن بالفعل شرفت بمصاحبة كل من بروفيسور حسن ابو عايشة - وزير الدولة وقتها - وبروفيسور قرشي محمد علي في وفد وزاري الى باماكو  عاصمة مالي
ومن بعدها أصبحت زبوناً شبه دائم في اجتماع مجلس الوكيل الذي كان وقتها د. كمال عبد اللطيف، وكان ثلاثياً ماتعاً متسقاً وكنت آمل أن يحدثوا التغيير لكن الصحة في السودان والوزراة الاتحادية تحديداً لها أبعاد أكثر تعقيداً -نتناولها لاحقاً 

أما بالنسبة للسيد أبو قردة فهو انسان ودود ومسالم على المستوى الشخصي لكنه لم يحدث تغييرالأنه لم يكن كسابقيه لا الارادة السياسية ولا القدرة العملية على إحداث التغيير، وهنا أحدث تعيين د. أكرم الفرق- او هذا ما ظننته

د. أكرم - مثله مثل د. عبد الله حمدوك نفسه - ومن المفارقات قول ذلك، هو مزيج من الخبرة الدولية والتأهيل الأكاديمي والوطنية الغيورة، ولكن أي من هذه العوامل وحده لن يحدث فرقاً ما لم تتوفر ارادة سياسية قادرة عل مجابهة تعقيدات واقع الوزارة الاتحادية، فهي مسكونة ليس فقط ببقايا النظام السابق بل بفساد ضمني وظاهر حسب الوزيرالمكلف ومدى سماحيته بتلك الظواهر، ولكي أكون منصفاُ فإن الغالب هو الخوف من التغيير وفقدان مصادر الرزق الشحيحة المتوفرة للعاملين هناك، وانا أحدهم وقد انتفعت منها تماماً فلا أتهم أحداً إلا بقدر ما أتهم نفسي ولا ألومهم فقد عشت ظروفهم، فمثلاً
هل تعلم ان هناك مبالغ تدفع لحضور الاجتماعات؟ بالرغم من أنها في معظم المؤسسات يفترض انها  جزء من العمل
هل تعلم ان المتدربين يدفع لهم مبالغ لحضور التدريب وورش العمل؟  بالرغم من المنطق ان المتدرب هو من يدفع ثمن التدريب او على الاقل يوفر له مجاناً
وهنا أمثلة أخرى تتعلق بالبدلات والسفر والسيارات والوقود والعلاقات مع شركات ومنظمات دولية واستلام مرتبات موظفين غير موجودين وربما متوفين لا داعي لسردها الآن فهدفي كما قلت ليس دفاعاً عن أحد ولا هجوماً على أحد وأعترف أنني تسلمت مبالغ من ، الاجتماعات والتدريب لأن راتبنا كان فتاتاً نتزاحم عليه في منظر مهين أمام شبابيك ضيقة ولا اذكر انني تسلمت راتبا من الوزارة يزيد عن ألف جنيه سوداني التي كانت حتى بمعايير وقتها اقل من 100 دولار في الشهر وأنا على ثقة أن الوضع أسوأ، حتى وإن زادت الأرقام

د. أكرم آتِ من خارج السياق

يقيناً سينظر له كذلك باعتباره (جاي من برة ومرطب) وكان يقبض بالدولار ولا يعلم عن معاناة الناس والعاملين، وقد يكون ذلك صحيحاً لكننا في ثورة ونحن من خرج في ثورة على الفساد والفساد حزمة واحدة يجب ان تقتلع جميعا وليس فقط (فساد الكيزان) هو الحرام بل كل السودان على السودان حرام - انتهى
مقاومة التغيير موضوع طبيعي وفطري ولقد رايناه ولا سيما من بعض الموظفين الذين ظلوا يعملون في الوزارة مدداً لا يمكن تخيلها فبعضهم قارب على 20 عاماً، وهو في المكان لا يطور ولا يتطور، وأمانه في ان يبقى يعمل الأشياء كما هي، ولكم أن تتخيلوا أنني وجدت بعض الموظفين يجرون الاحصاءات والتحليلات التي نقوم بها ببرنامج مثل SPSS يقومون بها بالورقة والقلم، ويحسبون معادلات حساب العينات بالالة الحاسبة- انهم من القرن الماضي بلا شك، ولا تتوقعوا ان ينتقلوا 30 عاماً للامام دفعة واحدة، فما بالك إذن هدد أحدهم مصدر رزقهم مما ذكرت سابقاً وسبل أخرى، انها المقاومة لا شك ورمزز التهديد كان د. أكرم

بالتأكيد كانت للرجل أخطاء لكن لا اتصور اننا صبرنا على امثال احمد بلال وابو قردة سنين وخرجوا بكامل زينتهم وامتيازاتهم وعندما نأتي لأول وزير مؤهل نطرده من منصبه قبل ان يتم عاماً واحداً ويخرج مطارداً تلحقه بعض دعوات الحمقى --- يا للعار،

الاقالة والرسائل الخاطئة

وبمنتهى المهنية أقول للحكم على مسؤول بنجاح لابد من تحديد 3 نقاط أساسية:
  1. المؤهلات المطلوبة
  2. المبادئ الضابطة لعمله والمهام المطلوبة ومعايير الاداء KPIs
  3. من سيقيم العمل؟
موضوع كون د. أكرم مؤهل حسمناه من أول 80 كلمة في المقال، وهنا نأتي لمبادئه في العمل، ويكفي أن أشير هنا إلى أنه يؤمن (إيمان العجائز- كما قال محمد أحمد المحجوب في كتابه الأشهر الديمقراطية في الميزان) أن الصحة حق للجميع، وإذا كنتم تعتقدون ان هذا معلوم من الحقوق باضرورة فأنتم واهمون وإليكم مثالين:
- بروفيسور مأمون حميدة مثلا - كونه مؤهل علميا وخبرات أكاديمية يصعب مضاهتها- تماهى في مبادئه مع طغمة 30 يونيو في خصخصة القطاع الصحي وتركه سوق مفتوح على الطريقة الامريكية ولذلك أغلق المستشفيات وأحالهم من ملك قومي لملك ولائي يتحكم فيه رجال أعمال - هو أحدهم، ولعلكم تذكرون لقاء العار بين المخلوع -الرئيس المؤمن رئيس الحركة الاسلامية- وهو يفاصل الخواجة الكافر مدير منظمة انه لا بد للناس ان تدفع ولا داعي لعلاج الناس مجاناً - كل ذلك ليتملص من وعده بإعطاء مليون دولار لمركز قلب أنشأته المنظمة - ياللعار ثم ياللعار!!!!
وعلى سيرة الولايات المتحدة يكفي أن أقول أن عدد الذي ليس لديهم تأمين صحي ولا طريقة للحصول على خدمة صحية فيها يفوق تعداد السودان مجتمعاًن يعني شعب كامل ما عنده طريقة بتعالج -وياااادوب بينادوا بما يعرف Universal health care التي نادى بها وتباناها د. أكرم من أول يوم واصر على إقرار الصحة حق دستوري لا يمس

ثم نأتي لإدعاء السيد حمدوك أن التعديل وتحديداً الاقالة جاءت بعد تقييم موضوعي دقيق، وهنا أقول لك وبالفم المليان هذا لم يحدث وإذا حدث فأين التقييم؟ من الذي قيم؟ ما هي معايير الأداء الذي وضعتموها له ولم يوفها؟ هل من قيمه مختص في الصحة العامة ولديه من الخبرات والمؤهلات ما يجعله مؤهلا لتقييم أداء د. أكرم أو غيره... لم يحدث، لقد عدتم بنا للمربع الأول وهنا المشكلة

المحاصصة والعودة للمربع الأول

ما حدث مع د. أكرم والتعديل الوزاري من أجل اتفاق الجبهة الثورية او غيرها هو ذات العبث الذي كانت تقوم به طغمة 30 يونيو، وإليكم المقدمات والعواقب --- يتبع إن شاء الله




Comments

Popular posts from this blog

دليلك إلى العبارات والجمل الإنجليزية التي نستعملها في الكتابة الأكاديمية

رد الأستاذ الدكتور زهير السباعي على مقالي- هل يتحول المريض الى زبون؟

كيف تنشر بحثك العلمي؟ المحاضرة كاملة - جاهزة للتحميل