صح ولا غلط؟

٣ أسئلة 

من اهم أدوار تخصص الأخلاقيات الصحية هو مساعدة الممارسين والباحثين في المجال الصحي التعامل مع الأسئلة ذات الطابع الأخلاقي في عملهم من قبيل:
هل من المقبول أن أفشى سرا من أسرار مرضاي؟
هل أقوم بنزع جهاز التنفس الصناعي عن مريض لا يرجى برؤه؟
هل أساعد هذه السيدة على إنهاء حملها؟ وما هي ضوابط ذلك؟
إذا لم تكفي الموارد في المستشفى فمن له الأولوية؟
وغيرها من الأسئلة كل حسب تخصص،
بمعنى أننا نساعدهم على إجابة السؤال: ما الذي ينبغي فعله؟ وهذا مختلف عن دور الموجهات المهنية أو القانون واللذان بهما درجة اعلى من الإلزام وربما درجة اقل من التباين والمرونة، بينما الأخلاقيات الصحية تحاول الإجابة عن 3 أسئلة أساسية:
1. ما هو الفعل الذي ينبغي فعله؟
2. لماذا ينبغي فعله؟
3. كيف يمكن فعله؟
ونحن اليوم نركز على السؤال الأول فقط: ما هو الاختيار الأنسب في الاختيارات الصعبة التي يواجهها الممارسون والباحثون؟ وقبل أن تقفز إلى استنتاج: أكيد بالرجوع إلى الدين ونرى إذا كان الموضوع حلالا أم حراما؟ ونقول إن هذا جزء من المقاربة ولكن الصورة أكبر من ذلك بكثير
أولا الاختيارات لا تكون دائما بين صواب وخطأ أو جيد وسيء، بل في كثير من الأحيان تكون اختياراتنا بين جيد وأحسن كما هو الحال مع التطعيمات المتاحة ضد كوفيد 19 أو بين سيء واسوا كما هو الحال في قرارات نزع الأجهزة المبقية لمظاهر الحياة عن مريض لنعطيها لمريض آخر.
ثانيا هناك عد طرق يحاول بها البشر حول العالم الإجابة عن سؤال ما الذي ينبغي فعله، ويمكن تقسيم المحاولات إلى 3 أنواع كبيرة:
1- مرجعية فلسفية بشرية بحيث يقوم فيلسوف أو مجموعة من الفلاسفة بالتفكير حول مفاهيم الخير والشر والصواب والخطأ ويستعملون المنطق والتحليل النقدي للوصول إلى تحديد الاختيارات الأفضل
2- المرجعيات الدينية السماوية التى يرجع اتباعها إلى تعاليم سماوية وردتهم من الله في كتبهم ولعل أهمها الديانات الإبراهيمية وهي اليهودية والمسيحية والإسلام، وهذا الترتيب زماني وليس مقامي، 
3- وأخيرا هناك الديانات غير السماوية وانا أتحرج في وصفها بالدين فهي أقرب إلى الفلسفات البشرية لكن الفرق أن الذي يتبعونها يصفونها بالدين لا بالفلسفة مثل تعاليم بوذا وكونفوشيوس

عناصر الفعل الأربعة 

اليوم سنحاول أن نختصر المرجعية الأولى فقط: أي 
كيف أجاب الفلاسفة عن سؤال: ما الذي ينبغي فعله؟، 
وبطبيعة الحال لم ازعم إنني سأختصر لكم كل الفلسفات في هذه الدقائق لكن على الأقل سأرسم إطارا عاما لتقسيم المدارس الفلسفية، ولنساعدكم على ذلك دعونا ننظر إلى الشكل التالي، أو إلى تركيبة السؤال نفسه، نجد أن محور السؤال هو (الفعل) الذي يجب عمله، وإذا حللنا الفعل على طريقة النحويين يمكننا أن نقول إن أي فعل ترتبط به هذه العناصر:
1- الفعل نفسه (وهو حدث مرتبط بزمان ومكان)
2- الفاعل (أي من يقوم بالفعل)
3- نتائج الفعل (الجيدة أو السيئة، بغض النظر الآن عن تعريف الجيد والسيء)
4- المفعول به (أي من وقع عليه الفعل وتأثر به)


وحسب هذه العناصر يمكن تقسيم المدارس الفلسفية كالتالي:
1. أولا هناك مدارس ركزت على ذات الفعل، بمعنى أن الأفعال يجب أن تكون ذاتي في الحكم عليها فلا نحكم عليها بمن فعلها ولا نتيجة فعلها ولا من يقع عليه الفعل، 
o ومن اشهر هذه المدارس هي ما يعرف بالمدرسة الفلسفية القائمة على الواجبات الأخلاقية deontology واشهرها الكانطية نسبة لإيمانويل كانت، والتي تقيس أخلاقية الأفعال بمقياس الواجب أو وجود قاعدة أخلاقية أو قانون أخلاقي تراضينا عليها كمجتمع، مثلا اذا كانت هناك قاعدة أن الكذب غير أخلاقي فلا ينبغي الكذب واذا كان هناك مثلا واجباً أخلاقياً على الطبيب هو أن يعالج مرضاه، فوقتها لا يعنينا إذا كان الطبيب نفسا إنسانا خلوقا أو فاضلا، ولا يهمنا ما إذا كان المريض صديقا أو عدوا، ولا يهمنا نتيجة التدخل، أي أن الأفعال إذ اتبعت قيمة أخلاقية معين مثل (جلب المنافع beneficence) أو (دفع الضرر nonmaleficence) أو قانون أخلاقي، أو كما يسميها كانط CATEGORICAL IMPERATIVES فيجب فعله، ولعلنا نفرد لقاء خاص بفلسفته وبقية النظريات التالية بطبيعة الحال، وربما تجدر الإشارة هنا أن من اهم امتداداتها الفلسفية المعاصرة المبادئ الأخلاقية الأربعة التي أسسها الفيلسوفان الامريكيان بوشامب وتشايلدرز في كتابهما الأشهر مبادئ الأخلاقيات الطبية الحيوية في طبعته الأولى عام 1979م، إضافة الى العديد من مواثيق حقوق الإنسان، كما يمكننا أن نوضح في لقاء قادم

2. النوع الثاني من المدارس الفلسفية هو ذلك يركز على نتائج الفعل فكلما كانت نتيجة الفعل جيدة ومسببة للسعادة فهي أخلاقية بغض النظر عن أخلاقية الفعل نفسه، وتعرف بالمدارس العواقبية أو النتائجية، وكما يدل اسمها فهي تعنى بنتائج الأفعال وعواقبها، فالفعل الجيد هو الذ ي أثر/نتيجة/عاقبة جيدة ومن اشهرها المدرسة النفعية أو العواقبية، بمعنى أن الحكم على أخلاقية الفعل يقاس بمدى السعادة أو المنفعة لنكون اكثر شمولا، وبالتالي تجنب الضرر وتفادي الألم ومن أشهر فلاسفتها جيريمي بنثام وجون ستيوارت ميل والتي يمكن تقسميها إلى أنواع حسب نوع من يقع عليه الفعل كما سنرى في النوع القادم، ومن التطبيقات العملية لهذه المدرسة ما تفرضه قوانين معظم دول العالم من إلزامية تطعيم الأطفال ضد بعض الأمراض، ففرض تصرفات الناس من منظور أخلاقي محايد هو مضاد لقيمة الحرية الشخصية لكن هذه المدارس ترى هذا التصرف مقبول أخلاقيا حتى لو ضد إرادة الوالدين لأنه يسبب سعادة – أو فلنقل نفعاً- اكبر للناس لتنطبق عليه معادلة الفعل الأخلاقي = اكبر قدر من السعادة لأكبر قدر من الناس
3. النوع الثالث هو المدراس التي تركز على المفعول به، أو من يقع عليه الفعل، بمعنى أن أخلاقية الأفعال يرتبط بمن يحصل عليه الفعل أو من تترتب عليه النتائج، ويندرج تحت هذا النوع بعض المدارس التي تختلف باختلاف رؤيتها لمن يعطى الأولوية الأخلاقية في تقييمنا، ولكي تتضح الصورة هناك مدراس تقول بان الأولى ينبغي أن تعطي للأقل حظا أو الأضعف في المجتمع، كالأطفال والنساء وذوي الإعاقات والمسنين ومن في حكمهم، ومن اشهرها الفلسفة النسوية، أو على الأقل بعضا منها حيث تهتم بقيم الجماعية التعاطف والتعاضد ورؤية القيم بطريقة جماعية باعتبار المجتمع وحدة بذاتها عوضا عن رؤيتها كمجموع لحقوق أفراد مستقلين، وذلك في مقابل النظريات المبنية على الحقوق والذاتية 

o وفي المقابل هناك من يركز على أن الأولوية الأخلاقية ينبغي أن تكون للنفس، بمعنى أن مصلحة الشخص الذي يقوم بالفعل هو الأولى، والتي تعرف بالأنانية أو الذاتية الأخلاقية، وفكرتها أن الفعل يكون مقبول أخلاقيا إذا اعطى الأولوية وسبب السعادة لمن قام به، ولكن للتوضيح هذه المدارس لا تدعو لمعاداة الأخرين أو نتسبب لهم بالضرر، ولكل نوضح الفرق بين التوجهين دعونا نعطي مثالا:

o هب مثلا أن هناك سباق للجري في مسابقة مهمة وسقط أحد المتسابقين فالمدرسة الأولى (الإيثارية أو الأولوية للآخر الأضعف) توجب أخلاقيا على بقية المتسابقين مساعدته لكي يقوم ويطمئنوا عليه، بينما مدرسة الذاتية تقول انه من المقبول أخلاقيا أن يستغل آخرون هذه الفرصة لكي يتقدموا في ترتيب السباق على شرط إلا يكونوا من هم دفعوه ليسقط مثلا

4. النوع الرابع هو المدارس التي تركز على (الفاعل) بمعنى أن تعمل على تأسيسي وتطوير والاهتمام بالتركيبة الأخلاقية للشخص بحيث تكون أفعاله ذات انضباط أخلاقي ذاتي ومستمر دون الرجوع إلى نظرية مستقلة في كل مرة ليسأل سؤال: ما الذي يجب على فعله؟ ومن أشهرها مدرسة الفضيلة، باعتبار أن تنمية الفضيلة مثل الكرم والشجاعة في الإنسان تجعله أمثر قدرة على اتخاذ القرارات الأخلاقية بشكل تلقائي ومن تطبيقات ذلك أن نطلب من الأطباء التحلي بالصدق والصبر مع المرضى حتى حينما يكون منهم مطلوب منهم ذلك وفق القواعد المهنية أو كمتطلب قانوني على سبيل المثال، بمعنى أنك إذا أصبحت فاضلا تخرج منك الأفعال الأخلاقية بلا تكلف ودون حاجة لان نخبرك اتبع هذه القاعدة أو ذلك المبدأ
وتتميز هذه الفلسفة بانها ذاتية بغض النظر عن الفعل أو نتائجه، ولعلنا نسمي ذلك الضمير الحي الذي يقود صاحبه للقرار الصحيح
وأخيراً لا يفوتنا القول والتنويه والتأكيد أن كل من هذه النظريات تحتاج إلى شرح مستقل ومستفيض، إن شاء الله في لقاء قريب نتناول المنظور الأخلاقي الإسلامي وأين تلتقي وتختلف هذه المفاهيم مع المقاربة الأخلاقية والشرعية الإسلامية، وغلى ذلكم الحين بإذنه تعالى، لكم التحية

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دليلك إلى العبارات والجمل الإنجليزية التي نستعملها في الكتابة الأكاديمية

How a discontinued treatment led a patient to be sent to jail?

إقالة د. أكرم ورسائل (حمدوك) الخاطئة (2)